الشيخ محمد رشيد رضا
400
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بعضهم أنه قال إن تشبيه اللّه تعالى من ضل من عباده بالانعام في قوله سبحانه وتعالى ( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ ) ليس لنقص فيها وانما هو لسان كمال مرتبتها في العلم باللّه تعالى « 1 » حتى حارت فيه فالتشبيه في الحقيقة واقع في الحيرة لا في المحار فيه فلا أشد حيرة من العلماء باللّه تعالى ، فأعلى ما يصل اليه العلماء بربهم سبحانه وتعالى هو مبتدأ البهائم الذي لم تنتقل عنه أي عن أصله وان كانت متنقلة في شؤونه بتنقل الشؤون الإلهية لأنها لا تثبت على حال ، ولذلك كان من وصفهم اللّه عز وجل من هؤلاء القوم أضل سبيلا من الانعام ، لأنهم يريدون الخروج من الحيرة من طريق فكرهم ونظرهم ولا يمكن ذلك لهم ، والبهائم علمت ذلك ووقفت عنده ولم تطلب الخروج عنه ، وذلك لشدة علمها باللّه تعالى انتهى ( قال ) ونقل الشهاب عن ابن المنير أن من ذهب إلى أن البهائم والهوام مكلفة لها رسل من جنسها فهو من الملاحدة الذين لا يعوّل عليهم كالجاحظ وغيره ، وعلى إكفار القائل بذلك نص كثير من الفقهاء ، والجزاء الذي يكون يوم القيامة للحيوانات عندهم ليس جزاء تكليف ، على أن بعضهم ذهب إلى أن الحيوانات لا تحشر يوم القيامة وأول الظواهر الدالة على ذلك . وما نقل عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما لا أصل له . والمثلية في الآية لا تدل على شيء مما ذكر القول بأن كل موجود حي ( قال ) وأغرب الغريب عند أهل الظاهر أن الصوفية قدس اللّه تعالى أسرارهم جعلوا كل شيء في الوجود حيا درّاكا يفهم الخطاب ، ويتألم كما يتألم الحيوان ، وما يزيد الحيوان على الجماد الا بالشهوة ، ويستندون في ذلك إلى الشهود ، وربما يستدلون بقوله سبحانه وتعالى ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) وبنحو ذلك من الآيات والاخبار . - والذي ذهب اليه الأكثرون من العلماء أن التسبيح حليّ لا قالي ونظير ذلك * شكا اليّ جملي طول السرى * و * امتلأ الحوض وقال قطني * وما يصدر عن بعض الجمادات من تسبيح قالي كتسبيح الحصى في كفه الشريف صلّى اللّه تعالى عليه وسلم مثلا
--> ( 1 ) السياق يبطل هذا الفهم بل الوهم